الجامعة العربية الأمريكية.. جدارة الفلسطيني بالعلم والتحرر

الثلاثاء, ديسمبر 11, 2018

18 عاما على التأسيس 

يردد أكثر من 20 شابا وشابة "بكتب اسمك يا بلادي" في انسجام وتناغم، ومع ذلك يعيد المدرب الخاص بجوقة الجامعة العربية الأمريكية لؤي بلعاوي أوامره بضرورة الإعادة مرارا وتكرارا، وبجدية يعيد الكورال الجملة حتى يتحقق الانسجام والتناغم ما يجعلهم يكملون "... عالشمس الما بتغيب".

يرمق المدرب وعازف العود بلعاوي الجوقة بنظرة إعجاب ويمد يده مشيرا إلى أعضائها المتطوعين ويردد: "هؤلاء من أجمل الأشياء في الجامعة".

الجامعة العربية الأمريكية

تستعد الجوقة عبر تدريبات أسبوعية مكثفة لتقدم حفلتها السنوية المرتقبة، ويرى بلعاوي أنه لم يتوقع هذا الانسجام بين أفرادها اليافعين "قدموا من خلفيات جغرافية وثقافية مختلفة، غير ان الموسيقى، كما الجامعة، قادرة على صهر تلك الطاقات والمواهب وتحويلها لإبداع".

تتنوع مناطق فلسطين التاريخية التي قدم منها أعضاء الكورال، فهم يتوزعون بين جنين والقدس وعرابة البطوف والخليل وباقة الغربية ودالية الكرمل والنقب وحتى الجولان.

ويؤكد بلعاوي: "ما كان لهؤلاء أن يحلموا بمجرد اللقاء ببعضهم البعض فكيف ونحن أمام اشتراكهم بجوقة غنائية".

عميد شؤون الطلبة في الجامعة الدكتور بشار دراغمة يرمق الطلبة في الساحات الخضراء الممتدة نظرة فخر ويقول: "لولا الطلبة من الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948 لما تمكنا من إطلاق جوقة الجامعة، حيث يعتبر الداخل مكانا مليئا بالمواهب الموسيقية والغنائية وهم أكثر انفتاحا للموسيقى، وهو ما جعل إطلاق الجوقة الخاصة بالجامعة حلما متحققا".

 

11 ألفا

في أيام الدوام الخمسة يتزاحم ألاف الطلبة القادمين من مختلف أنحاء فلسطين على بوابات الجامعة جماعات وأفرادا، ومنها إلى مباني الجامعة ومرافقها التي تعتبر الأحدث في بين الجامعات الفلسطينية العشرة في الضفة الغربية.

ما يلفت الأنظار ذلك الكم الكبير من السيارات الخاصة والحافلات التي تحمل لوحات تسجيل صفراء، تنقل الطلبة من بيوتهم في الداخل إلى جامعتهم في جنين مرورا عبر حاجز الجلمة الاحتلالي، والزائر الجديد للمنطقة سيسأل عن أزمة السير يومي السبت صباحا والأربعاء ظهرا وسيعرف لاحقا إنها عنوان جديد لتواصل طلبة فلسطينيين من الداخل مع طلبة من جميع أنحاء فلسطين وحتى المهجر.

وبحسب الأرقام التي نشرتها دائرة العلاقات العامة في الجامعة فإن أعداد الطلبة للعام الدراسي 2018 – 2019 تجاوزت 11 ألفا، ما يزيد عن نصفهم من طلبة فلسطين المحتلة عام 1948.

وكانت الجامعة قد أطلقت خدماتها التعليمية عام 2000 كأول جامعة خاصة في فلسطين، محتضنة الطلبة من مختلف المدن والقرى والمخيمات من فلسطين التاريخية، بدأت مشوارها بـ 200 طالب وطالبة جمعهم مع طاقمها التدريسي والإداري والمكتبة والمختبرات مبنى واحد حمل اسم "مبنى كلية العلوم والآداب".

وجاء اختيار جنين وتحديدا المنطقة بين قريتي تنين – تلفيت (13 كيلو متر الى الجنوب الشرقي من مدينة جنين) لإقامة الجامعة لافتقار المنطقة لمؤسسة تعليمية بمستويات عالمية، إضافة لقربها من فلسطين المحتلة عام 48.

كانت الانطلاقة القوية نتيجة شراكة مع جامعات أمريكية مع بداية الانتفاضة الثانية، وعاشت تجربة قاسية وصعبة ومع ذلك تمكنت من الصمود والبقاء والتطور بظروف استثنائية معقدة بحسب أ. فالح أبو عرة، نائب رئيس الجامعة للشؤون المالية والإدارية.

ويضيف ابو عره: "ما يحسب لهذه الجامعة أنها تجمع أبناء الوطن الواحد المقسم معا، يصعب أن نقول أن مكانا يتواجد فيه الفلسطينيون لم يأت منه أحد للجامعة طالبا أو زائرا".

ومع تخريج الفوج الأول عام 2004 كانت النتيجة أن حقق خريجوه نجاحات لافتة في سوق العمل المحلي والدولي، فبدأ اسم الجامعة يتردد بقوة في مختلف المحافل كونها تقدم تعليما مميزا دون أن يضطر الطالب إلى مغادرة وطنه.

أما اليوم فوفقا لعمادة التسجيل فتقدم الجامعة في مرحلة البكالوريوس لوحدها 36 برنامجا دراسيا إضافة إلى برامج الماجستير في مقر الجامعة في مدينة رام الله.

ويتركز إقبال الطلبة الفلسطينيين من الداخل المحتل على كليات العلوم الطبية والتمريض وطب الأسنان في الدرجة الأولى، والقانون والإعلام والعلوم الرياضية في الدرجة الثانية.

وفي ذكرى تأسيسها ال18 أعلنت الجامعة عن إطلاق أثير الجامعة عبر إطلاق إذاعة الجامعة على تردد 97.1 أف أم، ويمكن لمستمعها في الضفة أو فلسطين 48 أن يصغي لكلمة رئيس الجامعة الأستاذ الدكتور على زيدان مخاطبا المستمعين معتبرا أن الإذاعة تأتي تدشينا لمرحلة جديدة من التواصل مع المجتمع المحلي وبلغة الشباب وروحهم.

يتذكر الحاج السبعيني رفعت القرم من بلدة جلقموس القريبة المكان قبل 18 عاما، ويكاد لا يصدق حجم التطور النوعي الذي رافق تطور ونمو الجامعة، ففي محيط الجامعة أكثر من 100 عمارة سكنية، وضواحي فلل، ومحلات تجارية تقدم خدماتها لطلبة وطاقم الجامعة.

 

المكان المناسب

وعندما تنظر إلى قاعات التدريس أو الفعاليات أو الملتقيات ترى الانسجام والتالف بين طلبة الداخل الفلسطيني وزملائهم من الضفة الغربية والقدس كأنهم يشكلون بتالفهم وتعاونهم خارطة الوطن الكبير، رغم أن تجربة اللقاء تحدث أحيانا مشاكل وصعوبات هي تدلل بدورها على أهمية الجامعة.

طبيبة الأسنان، رولا فريد الحاج، من قرية كابول، تعبر عن سعادتها بتخرجها من كلية طب الأسنان بالجامعة، وترى أن تميزها في سوق العمل هو نتاج للتعليم المتميز الذي حصلت عليه.

وتؤكد: "لم اختر الجامعة عن قناعة بداية لإكمال تعليمي لكنني عندما انخرطت فيها أدركت أنني في المكان المناسب تماما".

خريجة التحاليل الطبية، يارا ياسين، من عرابة البطوف ترجع سبب اختيار الجامعة من طلبة الداخل إلى قصص النجاح والإنجازات الكبيرة لخريجي الجامعة في سوق العمل بالداخل مما يدفع الكثيرين لاختيار الجامعة لرسم مستقبل مهني مميز.

وتشدد على أن الأهل يدعمون قدومنا إلى الجامعة عموما كي نبقى أمام ناظريهم بعيدا عن الغربة ومعاناة الفراق.

وعن التحديات التي تواجه طلبة الداخل يقول الطالب في قسم اللغة العربية والإعلام إياد حسونة إن حواجز الاحتلال على المعابر تشكل التحدي الأكبر، خاصة أن هناك إجراءات تفتيش مقيتة، كما أن فتح وإغلاق المعابر محدد بأوقات معينة مما يضطر البعض للسكن أو القدوم مبكرا كي لا يفقد الطالب محاضراته وهو ينتظر الإذن من الجندي لاجتياز الحاجز.

 

جامعة الكل الفلسطيني

رئيس الجامعة الاستاذ الدكتور علي أبو زهري، غزي المولد، يرى أن الجامعة تسعى لان تكون منارة للتعليم العالي في فلسطين، تنشر العلم والمعرفة في كل مكان. وهي تولي أهمية خاصة لأهلنا بالداخل الفلسطيني المحتل وتعاملهم اسوة بزملائهم من الضفة الغربية دون أي تمييز، فهم جزء أساسي من طلبتنا الذين نسعى لتميزهم وتنمية مهاراتهم وتعزيز تجربتهم ليكونوا سفراء للجامعة أينما حلوا وارتحلوا.

ويضيف: هذا الهدف أصبح شعارا للجامعة "جامعة الكل الفلسطيني"، إنه شعار يجسد هذا المبدأ.

ويؤكد أبو زهري ان الجامعة تقوم بتعديل الخطط الدراسية لتتناسب مع متطلبات العمل في الداخل الفلسطيني، وتأهيل الطلبة اثناء تواجدهم على مقاعد الدراسة الجامعية من خلال إضافة عدد من المساقات التي تساعدهم في اجتياز متطلبات امتحان مزاولة المهنة بل والتفوق فيه، كما هو مطبق حاليا بكليات طب الأسنان، والتمريض، والحقوق.

 

تجذير التواصل

رئيس القائمة العربية المشتركة بالكنيست النائب أيمن عودة يبدي إعجابه الكبير بالجامعة، مشيرا إلى أنها مشروع قومي وشهادة فخر لكل فلسطينيي أينما تواجد، وإحدى المؤسسات الفلسطينية العريقة التي يشهد لها الجميع، والتي تجسد العلاقات وتعزز التواصل بين كافة أطياف شعبنا، مشددا انها ستكون داعما أساسيا للدولة الفلسطينية المستقلة، معربا عن استعداده لتقديم أي خدمة لهذه الجامعة وتوفير ما تحتاجه لأنها تستحق.

وفي ضوء الإقبال المتزايد والتوجهات الداعمة للجامعة من مختلف أطياف الداخل الفلسطيني، تسعى الجامعة لتجذير التعاون وترسيخه من خلال افتتاح مكتب ارتباط لها بالناصرة، وتطوير الخطط الدراسية بما يتناسب مع متطلبات سوق العمل بالداخل، وتعزيز العمل مع المجتمع المحلي العربي هناك وتسخير كافة إمكانيات الجامعة لرفعته والنهوض به.

سيشرح العازف بلعاوي للمتطوعين في جوقته الفنية أن "باكتب اسمك يا بلادي.." هي قصيدة للشاعر اللبناني ايلي شويري، وأنه كتبها عام 1973 أثناء سفره جوًا بين بيروت إلى الولايات المتحدة الأمريكية معبرا عن حنينه إلى الوطن، وسيقول لهم أن مؤلفها لم يكن يتوقع أنها ستصبح من الأغاني الوطنية الأكثر شعبية في المشرق العربي، غناها أول مرة جوزيف عازار، ثم غناها بعده كثير من الفنانين أمثال: دريد لحام وحازم شريف وفرح يوسف.

وتبدو حكاية الجامعة العربية الأمريكية مماثلة للقصيدة، فبعد أن بدأت كمشروع تعليمي وطني فلسطيني خاص ها هي اليوم تكبر وتترسخ كأحد مظاهر تعبير الفلسطيني عن جدارته بالحياة والتحرر.

 

تقرير للطالب في برنامج الماجستير في العلاقات العامة بلال الأشقر