تحاول هذه الورقة البحثية فهم التجارب الهجرية والاستراتيجيات الهُوِياتيَّة لدى المهاجرين المتحدرين من المجتمعات الإفريقية جنوب الصحراء، وفقًا لمقاربة سوسيولوجية، بالاعتماد على عمل إمبريقي نوعي. وقد توصلت إلى أنّ الهجرة في المجتمعات الإفريقية هي نتيجة للاستعمار والتقسيم الدولي للعمل، إلى جانب هشاشة الروابط الاجتماعية والسعي إلى ترميمها وتقويتها عبر الانتقال إلى فعل المغامرة. كما أن السياسات الهجرية والتنموية المعتمدة على المستويين الإفريقي والأوروبي لم تسهم في جعل الهجرات آمنة، كما يراهن الخطاب الدولي والإقليمي الذي تقدمه المنظمات الدولية والدول الأوروبية؛ أي الدول التي حددتها الذوات المهاجرة بوصفها وجهات لمشاريعها الهجرية، بناءً على الواقع الاجتماعي والتنموي والحقوقي الذي أنتجته الأفعال السياسية للدول الرأسمالية خلال الاستعمار، والنخب الوطنية في مرحلة ما بعد الاستعمار الأوروبي. بل جعلتها هذه السياسات مكلفة على المستويات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلائقية، كما يظهر في تجارب المهاجرين الاجتماعية واستراتيجياتهم الهُوِيِاتيَّة لتحقيق مشاريعهم الهجرية والتكيف في مجتمعات العبور.
تحاجج الورقة بأنه بدلًا من بناء الهجرة الإفريقية، بوصفها مشكلة اجتماعية، فينبغي على الدول التعاون لمحاربة أشكالها غير النظامية، مع النظر إلى المهاجرين بوصفهم ضحايا شبكات الاتجار بالبشر، فيجب أن ينظر إليهم بوصفهم ذواتًا إنسانية واعية ومدركة، قادرة على التفكير العقلاني والاستراتيجي، وتقدير الحسابات الاقتصادية لمغامراتها. فالفعل الهجري لديها تعبير عن الواقع التنموي لبلدانها الأصلية، الذي هو نتاج للتدخلات الكولونيالية والأفعال السياسية للنخب المحلية، إلى جانب فقدانها الأمل في المستقبل واقتناعها الذاتي بضرورة الإسهام في التغيير المجتمعي من خلال تغيير واقع الذات وجماعات الانتماء.
وتشكل التجارب الهجرية لدى المهاجرين الأفارقة تجارب اجتماعية، تمنح لها معاني مبنية على مساراتهم البيوغرافية وديناميات تفاعلاتهم الاجتماعية، ما أسهم ويسهم في بلورة استراتيجيات هُوِياتِيَّة، تهدف إلى تحقيق التماسك الهُوِيِيّ والتكيف الاجتماعي في المجتمع المغربي، تمهيدًا لتحقيق المشروع الهجري في أوروبا من خلال تعبئة الذات، بعدما تم حرمانها من فرص تحصيل الخيرات المادية والرمزية التي يمكن أن تمكنها من الخوض في تجربة الحياة وفقا للمشروع الشخصي. وفي ذلك تدبير للحظتها الوجودية، وإبراز لقدراتها على اختيار نموذج للعيش والصراع من أجل إثبات الذات في مناخ سياسي دولي، يسعى إلى تكريس الهشاشة وقهر الذوات الإنسانية وجعلها تابعة، تخدم غايات الإمبريالية والطبقات المهيمنة.